بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي
قد لا تكون المفاوضات الأميركية الإيرانية الأخيرة مجرد محاولة لإحياء مسار تفاوضي حول البرنامج النووي، بل تبدو أقرب إلى عملية إعادة صياغة للتوازنات الإقليمية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للطرفين. وفي هذا السياق، أصبح من الصعب فصل ما يجري في لبنان عن مسار التفاهمات الأوسع التي تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.
اللافت في هذه المرحلة أن الملفات التي شكلت خلال السنوات الماضية ركائز أساسية في السياسة الإقليمية الإيرانية، وفي مقدمتها غزة ، لم تعد تتصدر المشهد السياسي أو الإعلامي المرتبط بالمفاوضات. هذا الغياب يعني خروج هذا الملف من الحسابات الإيرانية بعد ان تم استنفاذ كافة مقوماته وحضوره العسكري و السياسي وبعد ان خلف وراءه سقوط غزة بيد الاحتلال وانهاء قدرة حماس ومقتل اكثر من ٩٠ الف مواطن غزاوي، و يعكس انتقال الأولويات نحو ملفات أكثر إلحاحاً بالنسبة لطهران، وفي مقدمتها رفع العقوبات، واستعادة القدرة على تصدير النفط، والانفتاح الاقتصادي، وتأمين استقرار النظام في الداخل.
ومن هنا، تبدو إيران أمام مقاربة أكثر براغماتية، تسعى من خلالها إلى حماية مصالحها الاقتصادية قبل أي اعتبار آخر، حتى وإن تطلب ذلك إعادة ترتيب أولويات نفوذها الإقليمي.
في المقابل، لا يبدو أن لبنان خرج من دائرة الاهتمام الإيراني، بل على العكس، قد يكون الملف اللبناني والنجاح في ربطه ضمن مفاوضاتها، وتحديداً مستقبل حزب الله، الورقة الأكثر حساسية ضمن أي تفاهم أميركي إيراني. فالتطورات الأخيرة توحي بأن البحث لم يعد يقتصر على وقف إطلاق النار ، بل يمتد إلى مناقشة ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد تتعلق بدور الحزب وسلاحه، بما ينسجم مع أي تسوية إقليمية أوسع.
وإذا اتجهت واشنطن إلى فتح قنوات تواصل مباشرة مع حزب الله بناء لاقتراح ترامب لتسهيل أعمال وقف إطلاق النار وبرنامج تسليم السلاح، فإن ذلك سيطرح تحدياً أمام الدور الرسمي اللبناني وإضعافا لقرارات الدولة، إذ قد تتحول المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية إلى إطار تنفيذي، فيما تبقى القرارات الاستراتيجية جزءاً من التفاهمات الأميركية الإيرانية، وهو ما يعكس محدودية قدرة الدولة اللبنانية على إدارة الملفات السيادية بصورة مستقلة.
فالمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية هي جزء أساسي من المرحلة المقبلة واخطرها ، حيث لن يقتصر البحث على وقف إطلاق النار، بل سيشمل آلية الانسحاب الإسرائيلي والميكانيزم التنفيذي، مع احتمال اعتماد انسحاب مرحلي من بعض المناطق بصيغة تجريبية او اقتراح انسحاب من الأقضية بالتتابع, مقترح الرئيس بري ، حيث يترافق ذلك مع انتشار الجيش اللبناني وتثبيت سيطرته على مناطق الانسحاب، قبل الانتقال إلى مراحل لاحقة، في إطار ترتيبات أمنية قد تعيد رسم الواقع الأمني في الجنوب.
أما على المستوى الاقتصادي، فمن الواضح أن المصالح الأميركية لا تقل أهمية عن الاعتبارات الأمنية. فالإدارة الأميركية، وخصوصاً بقيادة الرئيس ترامب، تنظر إلى التفاوض باعتباره وسيلة لتحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية، سواء عبر ضبط البرنامج النووي الإيراني أو ضمان استقرار أسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز. لذلك، فإن الاتفاق المحتمل قد يتضمن بنوداً اقتصادية وأمنية غير معلنة ستتضح تدريجياً مع بدء تنفيذ أي تفاهم، لذلك أنجاح المفاوضات والوصول إلى وقف إطلاق النار في لبنان هو ضرورة متبادلة للطرفين المتفاوضين والذي سيكون بحثه اولوية على طاولة المفاوضات التي تجري في سويسرا.
في المقابل، يبرز تباين واضح بين واشنطن وتل أبيب في إدارة هذه المرحلة. فبينما تبدو الإدارة الأميركية أكثر استعداداً لاختبار خيار التسويات مع إيران، لا تزال إسرائيل تنظر بقلق إلى أي اتفاق قد يمنح طهران مكاسب اقتصادية وسياسية من دون إنهاء كامل لقدراتها الإقليمية. إلا أن هذا التباين لا يعني بالضرورة وجود قطيعة بين الحليفين، بل قد يعكس اختلافاً في الأساليب والأولويات، فيما يبقى الهدف الاستراتيجي المشترك هو إعادة تنظيم البيئة الأمنية في المنطقة بما يخدم المصالح الاميركية والإسرائيلية على المدى البعيد.
وعليه، فإن المشهد الحالي يوحي بأن المنطقة تدخل مرحلة انتقالية معقدة تتراجع فيها شعارات المواجهة المفتوحة لمصلحة سياسة التسويات المرحلية. وإذا صح هذا التقدير، فإن الأولوية الإيرانية أصبحت تثبيت النظام واستعادة الاقتصاد، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى إنتاج شرق أوسط أكثر استقراراً بأقل كلفة عسكرية ممكنة، مع الحفاظ على نفوذها السياسي والاقتصادي.
أما لبنان، فيبقى الحلقة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة، إذ يبدو أن مستقبله السياسي والأمني لم يعد يُبحث في بيروت وحدها، بل أصبح مرتبطاً إلى حد بعيد بمسار التفاهمات الأميركية الإيرانية، "آخرها تصريح قاليباف بان لبنان ضحّى باكثر من ٤ آلاف شهيد دفاعا عن ايران "، وبما نستنتجه من إعادة توزيع للأدوار والنفوذ في الإقليم.
قد يكون العنصر الأكثر أهمية في المرحلة الحالية هو محاولة الولايات المتحدة الفصل بين مسار التفاوض مع إيران وبين العلاقة المباشرة بين إسرائيل وحزب الله. فواشنطن تبدو معنية بإدارة تفاهم استراتيجي مع طهران يحقق مصالحها الاقتصادية، فيما تترك لإسرائيل هامشاً واسعاً لاستكمال الضغط العسكري في الساحة اللبنانية، بما يسمح بتحسين شروط التفاوض قبل الدخول في أي تسوية نهائية.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة منفصلة عن المسار السياسي، بل قد تشكل جزءاً من عملية رسم وقائع ميدانية جديدة تسبق المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية. فمحاولة السيطرة على نقاط استراتيجية، وفي مقدمها تلة علي الطاهر وما يحيط بها، يمكن أن تمنح إسرائيل أوراق قوة إضافية على طاولة التفاوض، سواء لفرض ترتيبات أمنية جديدة أو لتوسيع المنطقة العازلة بما يتجاوز ما نص عليه القرار 1701.
وهنا يبرز سؤال سياسي مهم: هل سعت إسرائيل إلى استباق أي تفاهم أميركي إيراني من خلال فرض معادلة عسكرية جديدة في الجنوب اللبناني، بحيث تدخل المفاوضات من موقع المنتصر ميدانياً؟ أم أن هذه التحركات تجري بتنسيق غير معلن مع واشنطن، في إطار توزيع أدوار يسمح للإدارة الأميركية بالتفاوض سياسياً، فيما تضغط إسرائيل عسكرياً لتحسين شروط التسوية؟
وفي المقابل، تبدو إيران أكثر اهتماماً بالحفاظ على مسار التفاوض مع الولايات المتحدة من الانخراط مجددا في مواجهة إقليمية واسعة قد تعرقل رفع العقوبات والانفتاح الاقتصادي. لذلك، فإن أي ضبط لإيقاع المواجهة في لبنان قد لا يكون نابعاً فقط من اعتبارات ميدانية، بل أيضاً من رغبة إيرانية في حماية المفاوضات ومنع انهيارها قبل الوصول إلى تفاهمات تحقق مكاسب استراتيجية للنظام الإيراني.
هذا المشهد يفسر إلى حد كبير التباين الظاهر بين واشنطن وتل أبيب. فالولايات المتحدة تتعامل مع إيران بوصفها طرفاً تفاوضياً يمكن الوصول معه إلى تفاهمات، بينما تتعامل إسرائيل مع حزب الله باعتباره التهديد العسكري المباشر الذي يجب تقليص قدراته وفرض وقائع جديدة عليه قبل أي تسوية. وبالتالي، فإن الاختلاف بين الطرفين قد يكون اختلافاً في الأولويات والتوقيت أكثر منه اختلافاً في الأهداف النهائية.
ويبقى السؤال الأهم: هل نشهد بالفعل فصل المسارات، بحيث تتولى واشنطن إدارة الملف الإيراني سياسياً، بينما تتولى إسرائيل إعادة تشكيل الواقع الأمني في جنوب لبنان؟ وإذا تحقق هذا الفصل، فهل تصبح المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية مجرد محطة لترجمة تفاهمات أكبر أُنجزت مسبقاً بين واشنطن وطهران، فيما يكون دور لبنان مقتصراً على تنفيذ مخرجاتها؟
وفي ضوء ذلك، فإن المرحلة المقبلة لا تبدو مجرد مفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، بل بداية لإعادة هندسة النظام الأمني في المنطقة، حيث تتقاطع المصالح الأميركية والإيرانية والإسرائيلية عند هدف واحد يتمثل في إنتاج توازنات جديدة، وإن اختلفت الوسائل والأولويات. ويبقى لبنان، مرة جديدة، الساحة الأكثر تأثراً بهذه التحولات، في ظل محدودية قدرته على التأثير في مسار التسويات الإقليمية، بينما تتحدد مستقبلاً ملامح دوره وفق ما ستؤول إليه التفاهمات الكبرى، لا وفق ما ينتجه الداخل اللبناني وحده.
